عبدالرحمن المعاودة شاعر الإصلاح والنهضة 1911 ـ 1996

كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة 

اسمه عبدالرحمن قاسم المعاودة، ولد في مدينة المحرق في أول أيام عيد الفطر عام ‎1911‏، وقد أدخل «المطوع» وهو في سن السابعة. وحين ظهرت مدرسة الهداية الخليفية عام 1919 كان من أوائل طلبتها. ثم أرسل في بعثة الى الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1928، حيث درس هناك سنتين ثم أرجع الى الوطن بعد ذلك.
ساهم المعاودة قٍ تأسيس النادي الأدبي الثاني احياء للنادي الأدبي الأول الذي تأسس في المحرق ستة 1920. ولكن النادي الثاني الذي ظهر في أوائل الثلاثينيات ما لبث أن أغلق كذلك على يد الإنجليز وذلك لدوره الاجتماعي الوطني.
بعدها توجه عبدالرحمن المعاودة الى التعليم الأهلي، فأسس مدرسة الإصلاح الأهلية؛ ثم تركها ليؤسس مدرسة الارشاد الأهلية؛ وقد واجهت المدرستان المشكلات المالية والحصار.
وكان المعاودة متعاونا مع الاصلاحي والكاتب البحريني المعروف عبدالله الزائد في ذلك الوقت. يقول عنه مبارك الخاطر:
عبدالله الزائد وعبدالرحمن المعاودة غصنان مورقان في دوحة الأدب العربي في البحرين.
وكان المعاودة ممن حضروا تنفيذ فكرة تأسيس دار الطباعة في البحرين باحدى ليالي صيف 1935. ومنذ صدور العدد الأول من جريدة البحرين. وحتى احتجابها والمعاودة يغذيها بقريضه من آن لآخر. ولقد أخرجت مطبعة البحرين ديوان المعاودة الأول عام 1942.
والمعاودة هو الذي خلف عبدالله بعد وفاته في مطبعة البحرين.

والمعاودة هو الذي خلف عبدالله بعد وفاته في مطبعة البحرين.
ومع دخوله في نادي الإصلاح بالمحرق استمر المعاودة على تنشيط المسرح؛ وكتابة «روايات تمثيلية» تمجد التاريخ العربي والإسلامي وشخصياته البطولية مثلما فعل أثناء وجود مدرستيه الأهليتين.
ويشير د.علوي الهاشمي في كتابه (شعراء البحرين المعاصرون) إلى أن للمعاودة أكثر من عشر مسرحيات شعرية أو روايات تمثيلية. موجود بعضها ومختف وضائع القسم الأكبر منها ومن أسماء مسرحياته:
عبدالرحمن الداخل، الرشيد، شارلمان، يوم ذي قار، سيف الدولة. المستعصم بالله. جبلة بن الأيهم؛ العلاء الحضرمى, وبدأت التوجهات الإصلاحية لعبدالرحمن المعاودة تتضافر ووعي سياسي وطني وقومي أخذ يتصاعد مع حلول عقد الخمسينيات؛ حيث تصاعدت حركة التحرر العربية؛ وخاصة بعد ثورة يوليو 1952 المصرية.
وقد صار شعر المعاودة هو الصوت الوطني المنتشر ولقيت انتقاداته وكلماته إعجابا واسعا. وهو الشاعر الكبير الوحيد الذي وظف شعره للأحداث والتأثير الجماهيري.
ويمثل ديواناه الأولان اللذان صدرا في البحرين وهما: ديوان المعاودة سنة 1942، وديوان لسان الحال سنة 1952، ذروة تطور المعاودة الشعري وهواجسه الاجتماعية والوطنية، ثم جاءت مرحلة أخرى من حياته عندما هاجر الى قطر وكتب فيها شعرا وسمي نفسه «شاعر القصر » وكما قال عن حاله:

أنا شاعر القصر المنيف ولم يكن أحد ليبلغ في ذراه مكاني

وفي هذه المرحلة توقف عن إنتاج الشعر المسرحي التاريخي الذي ازدهر على يديه في البحرين.

تنوير وإصلاح
لعب عبدالرحمن المعاودة دورا بارزا في تشكيل النهضة الفكرية والفنية في البحرين بدءا من أوائل الثلاثينيات. بعد ان تشرب الوعي الوطني والإسلامي على يد النخبة الثقافية البارزة من أمثال الشيخ إبراهيم الخليفة ومحمد بن عيسى الخليفة وعبدالله الزائد وقاسم الشيراوي، وكان احتكاكه في بيروت بالمثقفين والمتنورين العرب فرصة اخرى لتنامي وعيه الحديث والاصلاحي.
وحين عاد الى البحرين حاول غرس هذه الثمار التنويرية في الأشكال الاجتماعية المتوافرة والبارزة، وإلفالتة من يد الانجليز. وذلك عبر التجمع الثقافي ثم عبر المؤسسات التعليمية الخاصة والنشر في الصحافة والخطابة واللقاءات.
لقد كانت الثقافة الاجنبية تحاول غرس مفاهيمها وسيطرتها الفكرية وتطويع الوعي المحلي لهيمنتها. في مواجهة عمل الرواد والمتنورين.
وهكذا راح المعاودة يزرع الوعي الوطني بقصائده ومسرحياته ودروسه؛ ولكن هذه الأشكال الاجتماعية التي أسسها كانت تواجه الحصار المستمر. فتتراكم نفقاتها وتقل مواردها باستمرار، حتى تغلق أخيرا.
ففي محاولة عرض مسرحية «العلاء الحضرمي» واجهت المعاودة الاشكالات المالية من أجل تجسيدها على الخشبة. المسرحية تدور حول دخول أهل البحرين الاسلام. وفي المقدمة يذكر المعاودة:
هذه الرواية استمدت حوادثها من التاريخ الإسلامي المجيد، فهي رواية واقعية الا انني نظمتها شعرا، شأنها في ذلك شأن ما ألفته سابقا من روايات.
سوف تشاهدون ان شاء الله في هذه الرواية المسلمين في صدر الاسلام بإيمانهم العميق وابتعادهم عن الملذات؛ وصفاء قلوبهم. وسوف تشهدون المشركين بفجورهم وسعيهم إلى الملذات التي لا تعود على الآخذ بها الا بالويل والثبور.
ويقول مبارك الخاطر عن مشكلات عرض المسرحية:
لقد جاء هذا التعاون من قبل صاحب المدرسة الأستاذ عبدالرحمن المعاودة. حيث تقدم بمبادرة شخصية منه عرض فيها على النادي ان يكتب هو المسرحية ويخرجها بينما يتولى النادي الصرف عليها وتأمين الممثلين لها من بين أعضائه.
وفي الحقيقة فإن النادي ما كان ليستجيب لمبادرة الاستاذ المعاودة لولا حالة العوز المادي التي ألمت به نتيجة تخليه عن ادارة مدرسة (الإصلاح) وافتتاحه مدرسة أخرى باسم (مدرسة الارشاد) ولولا انه فكر ان يعرض مسرحيته (العلاء بن الحضرمي) ليتلافي ذلك الموقف فلم يستطع توفير الممثلين لها، الذين كانوا متوافرين كماً وكيفاً لدى نادي الاصلاح.
وفي الواقع؛ فإن شعر مسرحياته كان منصبا على التاريخ، يأخذه بحذافيره. أو بسرد وقائعه المعروفة. مركزا على الماضى دون ربطه ربطا فنيا ورمزيا بالحاضر، فهو يريد استعادة المجد العربي والإسلامي القديم، وتقديمه في صور مشرقة حماسية؛ ومليئة بالهتاف الشعري المدوي، لعل سامعيه أو مشاهديه، تصل إليهم أسلاك الحرارة التي يطلقها في فضاء الزمن الراكد.
ومن هنا يمثل المعاودة زمن الكلاسيكية الشعرية والابداعية في البحرين والخليج، فهو لا يتزحزح عن البحور الشعرية العربية ونظام القوافي الصارم ويمتلئ شعره باستشهادات من التاريخ العربي والقرآن الكريم والحكمة العربية؛ وقلما يلجأ الى الاستعارة من الآداب الأوروبية والعالمية، ويظل متجذرا في تراثه العربي ‏ الإسلامي الكلاسيكي خاصة.
ومن هنا كان استلهامه وتشكيله لشخصية أبي العلاء الحضرمي وإعادته الى الوجود المعاصر؛ حيث ياتي من قلب الجزيرة العربية. من مكة؛ ليغرس الإسلام في جزر أوال، مجابها القوى الأجنبية أو الكافرة اللاهية.
وفي هذه الاستعادة، إنما يريد المعاودة تجديد وجود الإسلام أو الاشارة الى معركته الحديثة الجديدة. ضد الوجود الأجنبي.
لكن هذه المرحلة، من غرس قواعد اللغة العربية والتاريخ العربي القديم في أذهان الطلبة والمشاهدين، كانت مرحلة عامة مجردة مدرسية، ليس فيها تحليل ونقد وتصوير للواقع المحلي، للبحرين المعاصرة؛ الأمر الذي سيتخطاه المعاودة في مرحلة لاحقة. عندما يصبح الحديث عن التاريخ. وهارون الرشيد وشارلمان وسيف الدولة نافلا.

شاعر الشعب
في الخمسينيات ترك المعاودة المسرح التاريخي وشخصياته وأعماله المدرسية؛ ليتحول إلى شاعر الشعب والناطق بآلامه وأفراحه وأمانيه.
في هذه المسافة التحولية تكمن عملية تطويع أدوات شعره الكلاسيكية الى الجرح البحريني.
فهو قد استفاد من الصور البحرينية كعين عذاري والمدن والأجانب والنخيل والأحاديث العامة والخطب، في تشكيل شعر واضح منبري قوي. هو شكل آخر للجرائد والاعمدة السياسية الساخنة.
فغدت أبياته الشعرية أمثالا شعبية يرويها الناس، فصورة (عذاري) التي أطلقها ظلت حتى الآن حاضرة في الوعي العام والكتابة الفنية.
وهذا التحول نحو رصد الواقع وتحليله ونقده؛ تشكلت من إحساس وطني عميق ومن حب للبحرين قوي ومرهف ومرهق:

وطني وان أصبحت فيك معذبا يجني علي تحفزي وإبائي
فهواك في قلبي وذكرك في فمي رغم الخطوب ودعوة الدخلاء
هدفي علاك وإن تجهم دونها هذا الزمان وزاد في الغلواء

ومن هنا اتجه المعاودة لعرض المفارقات الاجتماعية والدعوة للإصلاح والعدل ونقد السيطرة الأجنبية. وهو كشاعر وطني ركز تركيزا واضحا على هذه السيطرة والقوى الخارجية معتبرا إياها سبب تخلف الوطن فيقول:

والانجليزية الشوها رطانتنا لدى الدوائر يا للعار والخجل
وانظر إلى الشركات السود جاثمة على الصدور وعنها نحن في شغل
ياقوم ما ساد الا من تسوده مآثر البسته أنفس الحلل

سحب الوطن من السيطرة الأجنبية واعادته الى الامة العربية، الاسلامية وكشف المشكلات المترتبة على ذلك، واستثارة الحس القومي والديني كان سبيل المعاودة الى البقاء في الذاكرة الوطنية. وتجسيد صورته في التاريخ حيا وخلاقا.
ومن هنا كان يدعو شعبه كله، طالبا العدالة والتطور له جميعه، مما جعله شاعرا تنويريا واسلاميا متسامحا؛ وذا نزعة عروبية عميقة.
ولكن الإنجليز لم يرتاحوا إليه؛ ولم تعجبهم دعوته فأرغموه على الهجرة؛ بعد أن ضاقت سبل العيش أمامه. وبعد الاستقلال عاد إلى الوطن. وكرم وعزز.
لقد أدت دعواته هو وغيره من المصلحين الى نهضة كبيرة. حيث تنامت الأفكار والثقافة وعملية التجديد الاجتماعي والاقتصادي، غير أنه في حينه لم ير ذلك. مما أوقعه في حيرة وأحزان.
كقوله:

متى تنقضي هذي الحياة فإنني سئمت مرير العيش في الزمن النكد

ولكن كانت هذه هي ضريبة المصلحين والتنويريين الذين يناضلون من أجل النهضة والتطور، فتوضع العقبات والمشكلات أمامهم؛ فيعانون، ولكن المستقبل يكون للبذور التي غرسوها، حيث تصبح بعدهم أشجارا عملاقة.
لقد ضحى عبدالرحمن المعاودة في سنوات كفاحه التعليمية والفنية بزهرة شبابه وكان مؤسسا لحقول ثقافية وفكرية عديدة نراها الآن نامية كبيرة. وقد وضع بصماته قوية على ثلاثة عقود هي الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات. ومثل صورة الشاعر والمربي والوطني.
فلنتذكر هذا الرائد الكبير ولتبق ذكراه في القلوب.


اكتشاف المزيد من عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب وروائي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد