تتناول هذه المقالة كتاب «عالم قاسم حداد الشعري» لعبدالله خليفة بوصفه نموذجاً للقراءة النقدية التي تزاوج بين المقاربة السوسيولوجية والتحليل الجمالي للنص الشعري. وتسعى إلى بيان الكيفية التي قرأ بها عبدالله خليفة تجربة قاسم حداد ضمن تحولات الشعر البحريني الحديث، من الالتزام الاجتماعي والسياسي إلى التجريب اللغوي وقصيدة النثر. كما تناقش طبيعة الخلاف النقدي بين الطرفين، لا باعتباره خلافاً شخصياً، بل بوصفه سجالاً حول وظيفة الشعر وموقع المثقف وحدود العلاقة بين الجمال والالتزام.
يشكل كتاب «عالم قاسم حداد الشعري»، الصادر عن دار نينوى عام 2019، مدخلاً مهماً لفهم جانب من التحولات التي عرفتها القصيدة البحرينية الحديثة، كما يكشف في الوقت ذاته عن طبيعة المنهج النقدي عند عبدالله خليفة. فالكتاب لا يكتفي بمقاربة تجربة قاسم حداد بوصفها تجربة شعرية فردية، بل يدرجها ضمن سياق ثقافي وفكري أوسع تتداخل فيه أسئلة الحداثة الشعرية مع تحولات المجتمع والسياسة والثقافة في البحرين.
وتنطلق هذه المقالة من فرضية مفادها أن قراءة عبدالله خليفة لحداد لا تنحصر في تتبع الخصائص الفنية للنص الشعري، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة الموقع الاجتماعي والفكري للشاعر، ومدى قدرته على الموازنة بين حرية التشكيل الجمالي ومسؤولية الخطاب الثقافي. ومن ثمّ، فإن أهمية الكتاب تكمن في كونه يطرح سؤالاً مركزياً: كيف يمكن قراءة تجربة شعرية حداثية من داخل أفق نقدي مشغول بالواقع والالتزام؟
يتأسس منظور عبدالله خليفة على مقاربة نقدية تمزج بين التحليل السوسيولوجي والقراءة الفكرية والجمالية للنص. فهو لا يفصل المنجز الشعري عن شروط إنتاجه التاريخية والاجتماعية، ولا يتعامل مع القصيدة بوصفها بنية لغوية مستقلة تماماً عن سياقها. ومن هذا المنطلق، تبدو تجربة قاسم حداد، في قراءة عبدالله خليفة ، ظاهرة إبداعية متصلة بتشكل الجيل الأدبي البحريني منذ خمسينيات القرن العشرين، وبالتحولات السياسية والاجتماعية التي أسهمت في صوغ وعي ذلك الجيل.
ويكشف هذا المنهج عن رغبة الناقد في قراءة الشاعر ضمن علاقة جدلية بين الذات المبدعة والواقع التاريخي. فحداد لا يظهر في الكتاب بوصفه شاعراً معزولاً عن شروطه، بل باعتباره صوتاً مركزياً في مشهد شعري وثقافي متحوّل. غير أن مركزية هذا الصوت لا تقود خليفة إلى الاحتفاء المطلق، بل تدفعه إلى مساءلة التجربة بوصفها بنية تجمع بين الإنجاز الفني والمأزق الدلالي والفكري.
يرصد عبدالله خليفة انتقال تجربة قاسم حداد من خطاب شعري متصل بالهمّ الجمعي وبالنضال السياسي والاجتماعي إلى فضاء أكثر تركيباً، تتقدم فيه اللغة بوصفها مجالاً للتجريب والتكثيف والتأويل. ففي بداياته، كما يقرأها الناقد، بدت القصيدة قريبة من التعبير عن آمال الفئات المهمشة ومن اصطدامها بالواقع، قبل أن تتجه لاحقاً إلى بناء عوالم رمزية أكثر كثافة، وإلى الانفتاح على قصيدة النثر بوصفها شكلاً حداثياً يتيح حرية أوسع في إنتاج المعنى.
تكمن إشكالية هذا التحول في أنه يحمل دلالتين متقابلتين في آن واحد. فمن جهة، يمكن النظر إليه بوصفه ارتقاءً فنياً حرر القصيدة من المباشرة ومن الخطاب الشعاري. ومن جهة أخرى، يقرأه عبدالله خليفة بوصفه انتقالاً قد يفضي إلى تراجع درجة الاتصال بالقارئ العام وبالقضايا العيانية. وبذلك لا تُقدَّم تجربة حداد بوصفها مساراً تصاعدياً مستقراً، بل باعتبارها حركة متوترة بين مقتضيات الالتزام وأسئلة الحداثة، وبين وضوح الرسالة وحرية التشكيل.
لا تختزل قراءة عبدالله خليفة تجربة قاسم حداد في حكم تقويمي أحادي؛ إذ يقرّ الناقد بما أنجزته هذه التجربة من توسيع لأفق القصيدة البحرينية، وما أتاحته من مغامرات شكلية ودلالية. غير أن هذا الاعتراف لا يحول دون مساءلة الإشكالات التي يراها عبدالله خليفة كامنة في بعض مراحل التجربة، ولا سيما ما يتصل بدرجة الوضوح، وعلاقة النص بالقارئ، ومدى ارتباطه بالواقع الاجتماعي. ومن هنا تتجلى قيمة الكتاب في أنه لا يكتفي بتسجيل المنجز، بل يفحص شروطه وحدوده ومآلاته.
يحتل الخلاف النقدي بين عبدالله خليفة وقاسم حداد موقعاً لافتاً في تاريخ السجال الأدبي البحريني. غير أن أهمية هذا الخلاف لا تكمن في جانبه الشخصي، بل في كونه يعكس تبايناً بين تصورين لوظيفة الأدب ودور المثقف. فبينما يميل عبدالله خليفة إلى تصور يرى الشعر فعلاً تنويرياً مشتبكاً مع الواقع الاجتماعي، تمنح تجربة حداد، في مراحلها اللاحقة، اللغة والتجريب الجمالي سلطة أوسع في إنتاج المعنى وتوسيع أفقه.
ويتجلى هذا الخلاف في عدد من القضايا المركزية؛ منها التحول في مفهوم الالتزام، وحدود التجريب اللغوي، وطريقة توظيف التراث والرموز، فضلاً عن علاقة المثقف بالمؤسسة الثقافية. وفي كل هذه القضايا، يحاول عبدالله خليفة أن يقرأ تجربة حداد من زاوية أثرها الاجتماعي والفكري، لا من زاوية منجزها الجمالي وحده. ولذلك تتحول القراءة إلى مساءلة أوسع لموقع الشاعر الحديث بين استقلالية النص ومسؤولية الخطاب.
تخلص هذه المقالة إلى أن كتاب «عالم قاسم حداد الشعري» لا يكتسب أهميته من كونه قراءة في تجربة شاعر بحريني بارز فحسب، بل من كونه نصاً نقدياً يكشف حدود العلاقة بين الشعر والواقع، وبين الحداثة والالتزام، وبين حرية اللغة ومسؤولية المثقف. فقد استطاع عبدالله خليفة أن يقدم قراءة مشتبكة مع المنجز الشعري لقاسم حداد، مع إبقاء هذا المنجز موضع مساءلة نقدية مستمرة.
ومع ذلك، فإن قوة قراءة عبدالله خليفة لا تلغي إمكان مقاربات أخرى ترى في تحول حداد نحو التجريب اللغوي وقصيدة النثر تطوراً جمالياً وفكرياً، لا مجرد تراجع عن الالتزام. ومن ثمّ، فإن قيمة الكتاب تكمن في قدرته على إبقاء السؤال النقدي مفتوحاً: هل تُقاس فاعلية الشعر بمدى وضوح موقفه الاجتماعي، أم بقدرته على توسيع طاقة اللغة والخيال؟ إن هذا السؤال هو ما يمنح الكتاب راهنيته، ويجعله إضافة مهمة إلى دراسات الشعر البحريني والخليجي الحديث.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
خليفة، عبدالله. عالم قاسم حداد الشعري. دمشق: دار نينوى، 2019.
روابط مفيدة:
